“صناع العمران” الحلقة السادسة..
راندة المنشاوي| لا تكتفي بالتقارير وتفتش في التفاصيل.. محطات فارقة في مسيرة أول وزيرة إسكان في تاريخ مصر
في قطاع مثل الإسكان والعمران.. لا تُقاس قوة المسؤول بعدد القرارات التي يوقعها فقط.. وإنما بقدرته على متابعة التفاصيل التي تسبق القرار وتكشف ما إذا كان المشروع يسير في الاتجاه الصحيح أم لا.. وهنا تبدو رحلة المهندسة راندة المنشاوي مختلفة عن صورة الوزير التقليدية.
قبل أن تصل إلى مقعد وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية في فبراير 2026.. كانت المهندسة راندة المنشاوي، قد أمضت سنوات طويلة داخل الوزارة وبين ملفات المرافق والمتابعة وإدارة المشروعات.. ثم انتقلت إلى مكتب رئيس مجلس الوزراء لتصبح مسؤولة عن المتابعة على مستوى أوسع.

وفي 11 فبراير 2026 أدت راندة المنشاوي اليمين الدستورية أمام الرئيس عبدالفتاح السيسي وزيرة للإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية.. لتصبح أول سيدة تتولى حقيبة الإسكان في مصر بحسب التغطيات الصحفية التي رافقت التعديل الوزاري.
لكن الوصول إلى هذا المقعد لم يكن قفزة مفاجئة، كان أقرب إلى مسار طويل بدأ من الهندسة.. ثم المكاتب الاستشارية.. ثم الوزارة.. ثم المرافق.. ثم المتابعة.. وصولًا إلى إدارة واحدة من أكثر الوزارات اتصالًا بالحياة اليومية للمصريين وبالمشهد العمراني للدولة.
من الهندسة إلى وزارة الإسكان.. البدايات التي سبقت الأضواء
حصلت راندة علي صالح المنشاوي على بكالوريوس الهندسة المعمارية من قسم العمارة بكلية الفنون الجميلة عام 1985، وبعد بداية مسيرتها المهنية، انتقلت للعمل في دولة الكويت عام 1986 داخل عدد من المكاتب الاستشارية الهندسية.. وخلال هذه الفترة ارتبط اسمها بالمشاركة في تصميم مشروعات هندسية من بينها مستشفى الطب النفسي بالكويت.
وعادت إلى مصر عام 1998 لتبدأ مرحلة أكثر ارتباطًا بالعمل الحكومي داخل وزارة الإسكان، وهنا بدأت القصة الحقيقية لصعودها داخل الجهاز الإداري للدولة.

لم تبدأ المنشاوي من موقع سياسي.. ولم تصل إلى الوزارة من خارج المؤسسة.. وإنما تحركت تدريجيًا داخل واحدة من أكثر المؤسسات الحكومية تعقيدًا من حيث عدد الهيئات والمشروعات والملفات المتداخلة.
ومن الملفات التي ارتبطت بمرحلتها المبكرة متابعة مشروعات المنطقة الاقتصادية الخاصة بشمال غرب خليج السويس ومشروع التنمية الشاملة لمدينة الأقصر.
ثم جاء عام 2009 باعتباره محطة مهمة في مسيرتها.. إذ بدأت مرحلة أكثر قربًا من دوائر صناعة القرار داخل وزارة الإسكان.
راندة المنشاوي داخل وزارة الإسكان.. من جهاز البحوث إلى مكتب الوزير
في جهاز بحوث ودراسات التعمير شغلت المنشاوي منصب كبير أخصائيين بدرجة مدير عام، ثم أصبحت نائبة لرئيس الجهاز، وومن هذه النقطة انتقلت إلى مساحة مختلفة من العمل الإداري.. عندما اختارها الوزير الأسبق أحمد المغربي للعمل سكرتيرة خاصة لمكتبه.
هذه الخطوة تبدو مهمة لفهم مسيرتها لاحقًا، فالعمل بالقرب من مكتب الوزير لا يعني مجرد إدارة الملفات اليومية.. وإنما يضع المسؤول أمام تفاصيل القرارات والمذكرات والاجتماعات والمشروعات والاتصالات بين قطاعات الوزارة المختلفة، وبمرور الوقت أصبحت المنشاوي واحدة من القيادات الإدارية المعروفة داخل الوزارة.
تولت رئاسة الإدارة المركزية لشؤون مكتب الوزير في الفترة من أكتوبر 2009 حتى يونيو 2011.. ثم أصبحت وكيلًا أول لوزارة الإسكان خلال الفترة من 2011 إلى 2017.
وفي هذه السنوات لم تعد مهمتها مرتبطة بملف هندسي واحد.. وإنما اتسع نطاق مسؤولياتها ليشمل المتابعة والتنسيق وإدارة الملفات بين قطاعات مختلفة.
كما تولت الإشراف على مكتب وزير الإسكان.. وأشرفت على قطاع المرافق.. وترأست وحدة إدارة المشروعات بالوزارة المعروفة باسم PMU.
وهنا بدأت تظهر السمة الأكثر وضوحًا في تجربتها المهنية، إدارة المشروعات من خلال المتابعة المنظمة بدلًا من الاكتفاء بمتابعة نتائجها بعد التنفيذ.

قطاع المرافق.. الملف الذي أصبح عنوانًا لمسيرتها
إذا كان الإسكان هو العنوان الأكبر لوزارة الإسكان.. فإن المرافق هي البنية التي تجعل هذا الإسكان قابلًا للحياة.. مياه شرب.. صرف صحي.. محطات معالجة.. شبكات.. بنية أساسية.. ومدن جديدة لا يمكن أن تتحول من مخططات على الورق إلى مجتمعات حقيقية دونها.
وفي هذا القطاع تحديدًا تزايد حضور راندة المنشاوي، وفي يونيو 2018 أدت اليمين الدستورية نائبة لوزير الإسكان لشؤون المرافق.. لتنتقل رسميًا إلى مستوى أعلى من المسؤولية في ملف مياه الشرب والصرف الصحي والمرافق.
وخلال هذه المرحلة ارتبط اسمها بمتابعة مشروعات المرافق ورفع معدلات التنفيذ.. كما مثلت وزارة الإسكان في مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية الجديدة.
وكانت وحدة إدارة المشروعات PMU واحدة من الأدوات التي ارتبطت بتجربتها داخل الوزارة.. حيث جرى الاعتماد على كوادر فنية وشابة ووضع نظم للمتابعة وإدارة المشروعات.
لكن الأرقام تكشف حجم الملف أكثر مما تكشفه المناصب، ففي عام 2019 قالت المنشاوي.. وكانت وقتها نائبة وزير الإسكان للمتابعة والمرافق.. إن نسبة تغطية الصرف الصحي في المناطق الريفية ارتفعت من نحو 12% عام 2014 إلى 34%.. بينما وصلت التغطية الإجمالية إلى نحو 65% من سكان الجمهورية في ذلك الوقت.. منها 94% في المدن.
هذه الأرقام لا يمكن نسبتها إلى شخص واحد.. لأنها نتيجة برنامج دولة شاركت فيه جهات وهيئات ووزارات وشركات متعددة.. لكنها تفسر لماذا أصبح ملف المرافق جزءًا أساسيًا من خبرة المنشاوي المهنية.
من وزارة الإسكان إلى رئاسة الوزراء.. اتساع نطاق المتابعة
في ديسمبر 2019 حدث التحول الأهم في مسيرتها، فقد أصدر الدكتور مصطفى مدبولي قرارًا بتولي راندة المنشاوي.. التي كانت تشغل منصب نائب وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية للمتابعة والمرافق.. العمل مساعدًا أول لرئيس مجلس الوزراء لشؤون المتابعة.
وهنا خرجت خبرتها من نطاق وزارة واحدة إلى مساحة أوسع، فالمتابعة داخل وزارة الإسكان تعني متابعة مشروعات وقطاعات وهيئات تابعة للوزارة.. بينما المتابعة من مكتب رئيس الوزراء تعني النظر إلى مشروعات حكومية متعددة ترتبط بوزارات ومحافظات وجهات تنفيذ مختلفة.
وكانت هذه المرحلة مهمة في تشكيل تجربتها الإدارية.
فالمهندسة التي قضت سنوات في متابعة شبكات ومحطات ومشروعات عمرانية أصبحت أمام منظومة أكبر.. يكون السؤال فيها ليس فقط: ماذا تم تنفيذه؟ وإنما: لماذا تأخر؟ ومن المسؤول؟ وما الإجراء المطلوب؟ وكيف يمكن إزالة العقبة؟
وهذه الخبرة ستصبح أكثر وضوحًا عندما عادت إلى وزارة الإسكان في فبراير 2026 ولكن هذه المرة من موقع الوزير.

من المتابعة إلى كرسي الوزير.. لماذا كانت راندة المنشاوي اختيارًا منطقيًا؟
عندما جاء التعديل الوزاري في فبراير 2026.. انتقلت راندة المنشاوي من موقع مساعد أول رئيس مجلس الوزراء لشؤون المتابعة إلى مقعد وزيرة الإسكان.
وكان الاختيار يحمل دلالة واضحة على طبيعة الخبرة التي تراكمت لديها، فهي تعرف الوزارة من الداخل.. وعملت في مواقع قيادية بها.. وتولت ملف المرافق.. وعاشت تجربة إدارة المشروعات.. وعملت إلى جوار رئيس الوزراء خلال سنوات المتابعة.
بمعنى آخر.. لم تصل إلى الوزارة لتتعرف على مؤسساتها لأول مرة.. بل عادت إلى مؤسسة تعرف بنيتها الإدارية وملفاتها وقياداتها وأجهزتها.. لكن من أعلى موقع تنفيذي فيها.
ومنذ الأيام الأولى ظهر ملف المتابعة باعتباره جزءًا أساسيًا من أسلوبها، في أول اجتماع لها بعد أداء اليمين.. وجهت بمتابعة مشروعات وزارة الإسكان ضمن مبادرة «حياة كريمة» والالتزام بالجداول الزمنية ومواجهة المعوقات.
وبعد أيام قليلة تفقدت مشروعات «سكن لكل المصريين» في حدائق العاصمة.. ثم توالت الجولات والاجتماعات لمتابعة الإسكان والمرافق والمدن الجديدة.
الإسكان الاجتماعي.. من «سكن لكل المصريين» إلى شراكة المطورين
لم تتعامل المنشاوي مع الإسكان باعتباره ملفًا واحدًا، فالوزارة تعمل في الوقت نفسه على الإسكان منخفض الدخل.. والإسكان المتوسط وفوق المتوسط.. والإسكان الفاخر.. وطرح الأراضي.. والمدن الجديدة.. والشراكة مع القطاع الخاص.
وفي أبريل 2026 أعلنت الوزارة فتح الباب أمام المطورين العقاريين للمشاركة في تنفيذ وحدات ضمن مبادرة «سكن لكل المصريين».
وفي هذا النموذج لم يعد تنفيذ وحدات محدودي الدخل مقصورًا على نموذج البناء الحكومي المباشر.. وإنما دخل القطاع الخاص كشريك في توفير الوحدات.
وتضمن الطرح الأول تنفيذ نحو 19 ألف وحدة سكنية في ثماني مدن جديدة وفق بيانات هيئة المجتمعات العمرانية.
أما على مستوى المبادرة نفسها.. فقد عرضت الوزارة في فبراير 2026 أرقامًا تكشف ضخامة البرنامج.. إذ كان قد تم الانتهاء من تنفيذ 788 ألف وحدة لمحدودي الدخل.. مع استكمال 216 ألف وحدة وطرح 36 ألف وحدة أخرى في ذلك الوقت.
وفي أبريل.. خلال اجتماع الرئيس عبدالفتاح السيسي مع وزيرة الإسكان.. عرضت المنشاوي خطة الوزارة التي تضمنت برنامجًا لنحو 220 ألف وحدة للإسكان المتوسط وفوق المتوسط.. وبرنامجًا للإسكان الفاخر يضم نحو 130 ألف وحدة.. إلى جانب المرحلة الأولى من مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ 17 ألف وحدة لمحدودي الدخل في ثماني مدن جديدة.
هذه الأرقام مهمة لأنها تكشف اتساع نطاق الملفات التي انتقلت إلى مكتبها بعد تولي الوزارة.
المدن الجديدة.. اختبار الإدارة على الأرض
لكن الوزارة لا تدير وحدات سكنية فقط، الاختبار الأكبر هو المدن الجديدة، فمدينة مثل العلمين الجديدة لا يمكن اختصارها في الأبراج والمشروعات العقارية.. لأنها منظومة تشمل الإسكان والخدمات والمرافق والشواطئ والنقل والاستثمار والتشغيل.
ولهذا أصبحت العلمين الجديدة واحدة من المحطات المتكررة في جولات المنشاوي منذ توليها الوزارة.
تابعت الأبراج الشاطئية ومشروع «مزارين».. ثم مشروعات أبراج مارينا والحي اللاتيني ومركز المؤتمرات والمعارض.. كما عقدت اجتماعات مع شركات التطوير والتسويق لمتابعة المبيعات والتسليم ومشروعات الشراكة.
وهنا تظهر طبيعة مختلفة لدور الوزير، فالمتابعة لا تتوقف عند نسب التنفيذ الإنشائي.. وإنما تمتد إلى سؤال أكثر تعقيدًا: هل تحولت المدينة الجديدة إلى مجتمع قابل للحياة والاستثمار والسكن؟
وفي حدائق العاصمة تكرر النهج نفسه.. متابعة المشروعات السكنية والخدمية والاستثمارية والتأكد من الالتزام بالبرامج الزمنية ودخول المشروعات الخدمة في توقيتاتها.

المرافق.. الملف الذي عادت إليه المنشاوي من أوسع أبوابه
ربما يكون ملف المرافق هو أكثر الملفات التي تعود بها المنشاوي إلى بداياتها المهنية، فهي جاءت إلى الوزارة بخبرة طويلة في هذا القطاع.. ثم عادت إليه كوزيرة مسؤولة عن المنظومة بأكملها.
وفي مارس 2026 ترأست أول اجتماع للجنة المرافق لمتابعة منظومة مياه الشرب والصرف الصحي والمرافق على مستوى المحافظات والمدن الجديدة.
ثم واصلت الاجتماعات الخاصة بمشروعات تحلية مياه البحر ومعالجة الصرف الصحي وتوطين صناعة المهمات المستخدمة في مشروعات المياه.
وفي يونيو 2026 استعرضت الوزارة تطور قطاع مياه الشرب والصرف الصحي منذ 2014 وحتى يونيو 2026.. وأشارت البيانات إلى ارتفاع عدد محطات معالجة الصرف الصحي من نحو 385 محطة قبل 2014 إلى نحو 621 محطة.. وارتفاع نسبة تغطية الصرف الصحي في الحضر من 79% إلى 96%.. وفي الريف من 12% إلى نحو 60%.
مرة أخرى.. هذه الأرقام هي حصيلة عمل دولة ومؤسسات متعددة على مدى سنوات.. ولا يصح اختزالها في شخص الوزيرة.. لكنها تكشف حجم القطاع الذي أصبحت المنشاوي مسؤولة عن إدارته في مرحلتها الوزارية.

تحلية مياه البحر.. من ملف مرفقي إلى جزء من استراتيجية التنمية
مع التوسع العمراني في المناطق الساحلية والمدن الجديدة.. أصبح توفير المياه تحديًا مرتبطًا مباشرة بخطط التنمية، ولهذا ظهرت تحلية مياه البحر كأحد الملفات التي تحظى بمتابعة مستمرة من وزارة الإسكان خلال فترة المنشاوي.
وفي يونيو 2026 شاركت في اجتماع لرئيس الوزراء لمتابعة الخطة الاستراتيجية لتحلية مياه البحر، وبعد ذلك عقدت اجتماعات مع مؤسسة التمويل الدولية لبحث التعاون في مشروعات المياه وتحلية مياه البحر.
الفكرة هنا تتجاوز إنشاء محطة جديدة، فكل مدينة جديدة تحتاج إلى مصدر مياه مستدام.. وكل توسع عمراني يحتاج إلى بنية تحتية تستطيع استيعابه.. وبالتالي تصبح المرافق جزءًا من التخطيط العمراني نفسه وليس خدمة لاحقة له.
وهذه النقطة تحديدًا تبدو متسقة مع خلفية المنشاوي التي تشكلت أساسًا في منطقة التقاء الإدارة بالمرافق والمتابعة بالمشروعات.
الأراضي والاستثمار.. الوجه الآخر لوزارة الإسكان
وزارة الإسكان ليست جهة لبناء الوحدات فقط، هي أيضًا لاعب رئيسي في سوق الأراضي والاستثمار العقاري من خلال هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.
وفي يوليو 2026 أعلنت المنشاوي حزمة من التيسيرات والضوابط للتعامل مع ملفات الأراضي والعقارات ومشروعات الشراكة مع القطاع الخاص.
كما أعلنت الوزارة طرح 2898 قطعة أرض سكنية ضمن برنامج «مسكن» في 17 مدينة جديدة.. منها 2263 قطعة بمحور الأراضي المتوسطة و635 قطعة بمحور الأراضي المميزة.
وهذا الملف يكشف جانبًا آخر من مسؤولية الوزير، فطرح الأراضي لا يتعلق فقط بتوفير وحدات للمواطنين.. وإنما بإدارة أصل عقاري ضخم تملكه الدولة.. وتحقيق التوازن بين جذب الاستثمار والحفاظ على حقوق الدولة وتنظيم التنمية العمرانية.
ولهذا ارتبطت تصريحات المنشاوي خلال هذه المرحلة بمفاهيم مثل وضوح الإجراءات والشفافية وتكافؤ الفرص.. إلى جانب دعم الاستثمار في المدن الجديدة.

حياة كريمة.. عندما تلتقي المرافق بالتنمية الريفية
في المدن الجديدة تظهر التنمية في الأبراج والطرق والمناطق الخدمية، أما في الريف.. فإن أحد أهم مقاييسها يبدأ من شيء أكثر بساطة: هل وصلت المياه؟ وهل دخل الصرف الصحي إلى القرية؟
وهنا جاء ملف «حياة كريمة» في مقدمة أجندة المنشاوي منذ اليوم الأول لتوليها الوزارة، ففي أول اجتماع لها بعد أداء اليمين ناقشت موقف مشروعات الوزارة ضمن المبادرة.. ثم تكررت الاجتماعات لمتابعة المرحلة الأولى.
وفي يوليو 2026 كانت الوزارة تتابع آلاف المشروعات الواقعة ضمن نطاق اختصاصها في المبادرة.. مع التركيز على إزالة المعوقات وتسريع معدلات التنفيذ.
وهذه المرحلة تعيدها مرة أخرى إلى الخبرة التي صنعت جزءًا كبيرًا من مسيرتها: المتابعة.
فمشروعات «حياة كريمة» ليست مشروعًا واحدًا يمكن افتتاحه ثم إغلاق الملف.. وإنما شبكة ضخمة من مشروعات المياه والصرف الصحي والمنشآت الخدمية موزعة على محافظات وقرى متعددة.
بين السكن والمرافق والاستثمار.. اتساع مهمة وزيرة الإسكان
خلال الأشهر الأولى من 2026 اتسع نطاق الملفات التي ظهرت على مكتب راندة المنشاوي، من «سكن لكل المصريين» إلى قانون البناء واتحادات الشاغلين.. ومن الأراضي إلى مشروعات الشراكة.. ومن المدن الجديدة إلى العلمين.. ومن المرافق وتحلية المياه إلى «حياة كريمة».. ومن الوحدات البديلة للمخاطبين بقانون الإيجار القديم إلى متابعة شكاوى سكان المدن الجديدة.
وهذا الاتساع يجعل تقييم تجربتها الوزارية المبكرة أمرًا يحتاج إلى وقت.
فالفترة منذ فبراير 2026 وحتى الآن ليست كافية للحكم على النتائج النهائية لسياساتها.. خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من الملفات التي تديرها يمتد لسنوات.
لكن يمكن رصد أسلوب واضح في الإدارة.
العودة إلى الموقع.. متابعة التنفيذ.. عقد اجتماعات متخصصة.. ربط الجهات التابعة ببعضها.. والاستناد إلى الجداول الزمنية والأرقام بدلًا من الاكتفاء بالتقارير العامة.

ماذا تكشف رحلة راندة المنشاوي عن «صانع العمران»؟
ربما لا تكمن أهمية تجربة راندة المنشاوي في أنها مهندسة أصبحت وزيرة فقط، الأهم هو المسار الذي سلكته للوصول إلى هذا الموقع.
فهي بدأت من الهندسة.. ثم عملت في الاستشارات.. ثم دخلت وزارة الإسكان.. وتدرجت داخل جهاز البحوث.. ثم مكتب الوزير.. ثم الإدارة المركزية.. ثم منصب وكيل أول الوزارة.. ثم قطاع المرافق.. ثم منصب نائب الوزير.. ثم انتقلت إلى رئاسة الوزراء لتعمل مساعدًا أول لرئيس مجلس الوزراء لشؤون المتابعة.
وبعد كل هذه المحطات عادت إلى الوزارة نفسها ولكن من مقعد الوزير، هذه الرحلة صنعت لديها معرفة بثلاثة مستويات مختلفة من الإدارة، المستوى الأول هو مستوى المشروع.. حيث التفاصيل الفنية والموقع والتنفيذ.
والمستوى الثاني هو مستوى الوزارة.. حيث تتقاطع القطاعات والهيئات والقرارات، أما المستوى الثالث فهو مستوى الحكومة.. حيث تتحول المتابعة إلى تنسيق بين مؤسسات الدولة المختلفة.
ولهذا فإن الصورة الأكثر دقة لراندة المنشاوي ليست صورة «وزيرة مشروعات» ولا صورة «موظفة حكومية صعدت إلى القمة»، إنها صورة قيادة تنفيذية تشكلت خبرتها داخل منظومة العمران نفسها.. ثم انتقلت من متابعة المشروع إلى متابعة الوزارة.. ومن متابعة الوزارة إلى متابعة الحكومة.. قبل أن تعود مرة أخرى إلى الوزارة لتصبح صاحبة القرار الأعلى فيها.
راندة المنشاوي في وزارة الإسكان
على مدار سنوات طويلة كانت راندة المنشاوي أقرب إلى غرفة المتابعة منها إلى منصة الإعلان، كانت ترى المشروع من خلال التقارير.. والجداول الزمنية.. ونسب التنفيذ.. والاجتماعات.. والملاحظات التي تأتي من مواقع العمل.
لكن منصب الوزير يغير المعادلة، فالوزير لا يكتفي بالسؤال عن سبب التأخير.. وإنما يصبح مسؤولًا عن القرار الذي سيعالج التأخير، ولا يكتفي بمتابعة نسبة تنفيذ محطة مياه.. وإنما يصبح مسؤولًا عن السياسة التي تحدد أين تُبنى المحطة وكيف تُموّل وكيف ترتبط بالتوسع العمراني.
ولا يكتفي بمتابعة وحدات الإسكان.. وإنما يصبح مسؤولًا عن العلاقة بين الدولة والمطور والمواطن والأرض والتمويل، وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لرحلة راندة المنشاوي.
فالسنوات التي قضتها في المتابعة صنعت خبرة واسعة في قراءة المشروعات.. لكن المنصب الوزاري سيُقاس في النهاية بقدرته على تحويل تلك الخبرة إلى سياسات ونتائج مستدامة.
وبين بدايتها كمهندسة.. مرورًا بالمرافق وإدارة المشروعات.. ووصولًا إلى مكتب رئيس الوزراء ثم وزارة الإسكان.. تبدو رحلتها واحدة من أكثر النماذج وضوحًا لمسار التكنوقراط داخل الدولة المصرية: صعود تدريجي من التفاصيل إلى صناعة القرار.. ومن متابعة التنفيذ إلى تحمل مسؤولية النتيجة.
