مطالب بفتح تحقيق عاجل..
"الشربيني ولغز القرار 200".. وزير الإسكان السابق يمنح شركات عقارية أراضٍ إضافية بالمخالفة للضوابط؟
في الوقت الذي تسعى فيه الدولة المصرية لترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية وجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية بناءً على قواعد تكافؤ الفرص، تفجرت في الأوساط العقارية مؤخراً حالة من الجدل الكثيف.
وتأتي هذه الحالة مدفوعة بمستندات ومعلومات متداولة تشير إلى وجود شبهات تجاوز في ملف تخصيص الأراضي ببعض المدن الجديدة، وتحديداً خلال فترة تولي وزير الإسكان السابق، شريف الشربيني، حيث توجه أصابع الاتهام نحو خرق القرار الوزاري رقم 200 المنظم لعمليات التخصيص. ويفتح هذا التحقيق ملف القرار المشار إليه ليجيب عن السؤال الصعب حول كيفية حصول كيانات عقارية بعينها على مساحات وأراضٍ إضافية رغم وجود سقف عددي وقانوني يمنع ذلك.

كبح الاحتكار وفلسفة القرار رقم 200
لتفكيك المشهد المرتبك، يجب أولاً فهم الفلسفة التي بني عليها القرار رقم 200، حيث لم يكن مجرد إجراء إداري روتيني، بل جاء كصمام أمان للسوق العقاري بهدف منع الاحتكار ووضع حد أقصى لعدد قطع الأراضي التي يمكن تخصيصها للشركة الواحدة أو الكيانات المرتبطة بها.
وكان الهدف الأساسي من وراء هذا التحديد هو ضمان توزيع الفرص الاستثمارية بشكل عادل، وعدم تركز الأراضي المميزة في يد عدد محدود من الحيتان العقاريين، وإتاحة الفرصة للشركات الناشئة والمتوسطة للنمو، فضلاً عن خفض وتيرة المضاربات السعرية وضمان تنمية حقيقية وسريعة للمدن الجديدة بناءً على مبدأ صارم يقضي بعدم تجاوز السقف المحدد للتخصيص خلال فترة زمنية معينة.
الكواليس الخلفية في دمياط الجديدة وحدائق أكتوبر
المعلومات والمستندات المسربة من كواليس هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بدأت تطفو على السطح، مشيرة إلى استثناءات غير معلنة شابت تطبيق القرار في عهد وزير الإسكان السابق شريف الشربيني.
وتتمحور الشبهات حول ثلاث شركات عقارية كبرى نجحت في تجاوز البلوك القانوني، وحصلت على تخصيصات إضافية لقطع أراضٍ بمساحات ضخمة في مدن جاذبة استثمارياً مثل دمياط الجديدة التي تشهد طلباً هائلاً ومعدلات ربحية مرتفعة جداً للمتر المربع، وحدائق أكتوبر التي تمثل التمدد الطبيعي والاستراتيجي للعاصمة السياحية غرب القاهرة. والمثير لعلامات الاستفهام هو توقيت هذه التخصيصات، والتي تمت بعد صدور العمل بالقرار، مما يعني ضمناً اختراق المنظومة الإلكترونية أو الالتفاف على الضوابط عبر آليات إدارية ملتفة.
المستندات تكشف علاقة الوزير السابق بشركتي "قادس" و"فاضل" بالإضافة إلي شركة أخري ثالثة وتتساءل عن مدي نشاطها في دمياط الجديدة وحدائق أكتوبر، وكيف قام الوزير السابق بمخالفة القرار الوزاري الذي أصدره هو شخصياً والقيام بتخصيص 3 قطع اراضي وأكثر لكل شركة من الشركات الثلاثة وإن كانت هناك بعض المعلومات تزعم أن أحد هذه الشركات مملوكة للوزير السابق.
المفارقة الصارخة بين النص القانوني والواقع الفعلي
تظهر المفارقة الصارخة عند مقارنة نصوص القرار رقم 200 بالواقع الفعلي الذي جرى رصده في تلك الفترة، فالقرار يفرض في أصله حداً أقصى صارماً لعدد القطع والمساحات للشركة الواحدة لضمان العدالة الجغرافية، بينما تكشف التخصيصات الفعلية عن حصول الشركات الثلاث محل الجدل على أراضٍ إضافية تجاوزت هذا الحد المسموح به بشكل واضح، وتركزت هذه التخصيصات في مدن الصف الأول المميزة دون غيرها.
وفوق ذلك، فإن الأصل في المنظومة هو الشفافية الكاملة عبر إعلان المزايدات والتخصيصات من خلال بوابة الفرص الاستثمارية المتاحة للجميع، غير أن ما جرى في هذه الواقعة يشير إلى تمرير موافقات وتخصيصات في توقيتات تثير الشكوك ودون إيضاح الأسباب الاقتصادية أو التنموية التي بررت هذا الاستثناء.
ثورة الصامتين وأسباب مطالبة المستثمرين بالمراجعة
حالة الاستياء داخل السوق العقاري لم تأتي من فراغ، حيث يرى المستثمرون أن غياب المعايير الموحدة يضرب الثقة في الاستثمار العقاري المصري في مقتل، ويحرم كيانات أخرى جادة من الحصول على فرص عادلة للمنافسة.. ويؤكد الخبراء والمتضررون أنه إذا كانت هناك أسباب تنموية أو اقتصادية قاهرة دفعت الوزارة لمنح هذه الشركات ملايين الأمتار الإضافية، فلماذا لم تعلن للرأي العام في حينه لضمان الشفافية، أما إذا لم تكن هناك استثناءات قانونية مبررة، فإن المنظومة برمتها تحتاج إلى مراجعة رقابية شاملة من الأجهزة السيادية لإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.
أسئلة مشروعة تبحث عن إجابات رسمية حاسمة
يضع هذا التقرير أمام المهندسة راندة المنشاوي وزيرة الإسكان، وهيئة المجتمعات العمرانية، والجهات الرقابية، حزمة من الأسئلة التي لا تقبل الرمادية، وعلى رأسها معرفة العدد الدقيق لقطع الأراضي والمساحات الإجمالية الفندقية والتجارية والسكنية التي حصلت عليها الشركات الثلاث تحديداً بعد صدور القرار.
كما يظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت قرارات التخصيص هذه قد ذيلت بموافقات خاصة من الوزير السابق شريف الشربيني، وما هو السند القانوني لهذا الاستثناء، بالإضافة إلى كيفية تمرير هذه التخصيصات عبر اللجان العقارية الفرعية والرئيسية بالهيئة دون الاعتراض عليها، وما إذا كان سيتم فتح ملف المراجعة بأثر رجعي لجميع القرارات الصادرة في تلك الفترة لضمان حماية المال العام وحقوق المستثمرين.
الشفافية الكاملة باعتبارها المخرج الوحيد لحماية السوق
إن فتح ملف التجاوزات في تخصيص الأراضي لا يستهدف النيل من أشخاص أو كيانات بعينها، بقدر ما يستهدف حماية بيئة الاستثمار في مصر والدفاع عن صدقية القرارات الوزارية المنظمة للسوق.
وتظل الشفافية الكاملة ونشر تفاصيل هذه التخصيصات هي المخرج الوحيد لإنهاء هذا الجدل الدائر، فإما تبرئة ساحة القرارات بأدلة وقوانين معلنة تفند هذه الشبهات، أو تصحيح المسار فوراً ومحاسبة المقصرين لإرساء رسالة واضحة وجازمة لكل المستثمرين في الداخل والخارج بأن القانون فوق الجميع ولا وجود لاستثناءات تمر تحت الطاولة.