"شلة البترول" تتحدى توجيهات "القابضة للتشييد" وتورط الشركة في "فضيحة المزاد الفاشل"
وثائق تفجر كواليس تجريف "النصر للإسكان".. من مجاملات الوزير إلى الاستدعاء الرئاسي الطارئ
لجان فحص تُحقق في مزاد فاشل أنفق الملايين لبيع "نزاعات قضائية".. وكشف شلل مشاريع المقطم وأكتوبر
كيف تحولت واحدة من أعرق قلاع التشييد والبناء الحكومية في مصر، شركة "النصر للإسكان والتعمير"، من صرح عقاري تاريخي داعم لميزانية الدولة إلى كيان يواجه الانهيار السريع بعدما بات يعاني مأزقاً قانونياً وإدارياً معقداً؟
الإجابة تكمن في ملف استقصائي، مدعوم بالمستندات الرسمية والقرارات الوزارية أعدته "الاسكان 24"، ويضع علامات استفهام كبرى حول آليات اختيار القيادات في قطاع الأعمال العام، ويكشف عن تفاصيل أزمة مكتومة توشك أن تعصف بالشركة قبل خطتها المرتقبة للطرح في البورصة المصرية.

تبدأ خيوط القضية عندما أصدر وزير قطاع الأعمال العام السابق، الدكتور محمد الشيمي، قبل رحيله عن منصبه، قراراً بتعيين اثنين من أصدقائه القدامى أثناء عمله في قطاع البترول على رأس إدارة الشركة: المهندس أشرف عبد الله رئيساً لمجلس الإدارة، والمهندس إبراهيم رمضان إبراهيم عضواً منتدباً وتنفيذياً.
رحل الوزير، وبقي اصدقاؤه في النصر للإسكان والتعمير وبخبراتهم المغايرة لطبيعة التطوير العقاري ينسجون -بقصد أو بغير قصد- أزمة بلغت ذروتها في المزاد العلني الأخير وتجسدت في أسوأ صورها مع كارثة عمارات أكتوبر المتصدعة.


أولاً: تشريح تسويقي ومالي لمزاد "الخمسة ملايين" الذي كلف الشركة مليون و300 الف جنيه
في ٢٠ مايو ٢٠٢٦، دعت إدارة الشركة إلى مزاد علني لبيع محفظة عقارية ضخمة شملت:
1. ٣ مولات تجارية (استلام فوري) بالتوسعات الشمالية بمدينة ٦ أكتوبر (بمساحات أرض: ٨٠٠ م٢، ٦٢٩ م٢، و١٠٤١ م٢).
2. حضانة بكمبوند "كالما" بحدائق أكتوبر (١١٥١ م٢).
3. ٣ محلات تجارية في العمارة ١٠٠٩٦ بالمعراج في زهراء المعادي.
4. ٣ وحدات سكنية بمدينة المعراج بزهراء المعادي بمساحات (١٢٥ م٢، ١٤٤ م٢، ١٨١ م٢).
مصدر من الشركة القابضة للتشييد والبناء - حرص على عدم ذكر اسمه - علق على فشل هذا المزاد قائلاً:
"أن تنفق الشركة ١.٣ مليون جنيه في إيجار قاعة وأتعاب خبراء مثمنين وحوافز إدارية، ليكون العائد الفعلي المحصل هو ٥ ملايين جنيه فقط كدفعة مقدمة من أصل قيمة تعاقدية لا تزيد قيمتها عن ١١ مليون جنيه، فهذا مؤشر على عجز تسويقي تام وعزوف كامل من المستثمرين مع شركة النصر للإسكان والتعمير بعدما رفضوا الاقتراب من المولات والحضانة. الإدارة هنا أنفقت قرابة ٢٥٪ من العائد النقدي الفوري للمزاد على مصاريف تنظيمه!، وهذا بحد ذاته يمثل فضيحة في القطاع، والمثير في القصة أن العضو المنتدب ترك الحابل يضرب في النابل، واغلق هاتفه وسافر للحج، فهل يصلح الطواف ما افسده الإهمال، قديمًا قالوا في الأثر: "بيت المهمل خرب قبل بيت الظالم".
وعلى خلفية هذا العزوف، شكلت الشركة القابضة للتشييد والبناء لجنة رسمية عاجلة لفحص إجراءات المزاد وأسباب فشله في إقناع المستثمرين، لما في ذلك من اثر على سعر سهم الشركة المقرر طرحه قريبًا في البورصة.
ثانياً: الصدمة القانونية.. بيع وحدات متنازع عليها وتناقض العضو المنتدب
الفشل التسويقي لم يكن العقبة الوحيدة؛ فالوحدتان السكنيتان الوحيدتان اللتين بيعتا في المزاد (بمساحات ١٢٥ م٢ و١٤٤ م٢ في مشروع المعراج بزهراء المعادي)، هما في الحقيقة محل نزاع قضائي عنيف ومنظور أمام المحاكم بين شركة النصر وحاجزين قدامى!
هنا يظهر التناقض الصارخ الذي يقع فيه العضو المنتدب التنفيذي، المهندس إبراهيم رمضان. بالنظر إلى المستند الحصري (محضر اللجنة العقارية الدائمة رقم ٨ بتاريخ ٢٥ ديسمبر ٢٠٢٥)، نجد أن إبراهيم رمضان وقع بنفسه على قرار يمنح تيسيرات وإعفاءات تصل إلى ١٠٠٪ من غرامات التأخير للعملاء المتعثرين بهدف جمع سيولة نقدية عاجلة، ونص القرار صراحة في بنده الأخير على: "على ألا تسري هذه التيسيرات على الصادر ضدهم أحكام نهائية بالفسخ واسترداد الأراضي أو الوحدات".
هذا المستند يثبت أن الإدارة على علم تام بوجود نزاعات معلقة؛ ورغم توجيهات واضحة من اللواء مهندس محمد مصطفى لبن رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للتشييد والبناء، إلى المهندس إبراهيم رمضان، بضرورة حل ملفات التسويات ودياً وعدم حبس أصول الشركة، تجاهلت إدارة "أشرف عبد الله وإبراهيم رمضان" هذه التوجيهات، ومضت في بيع وحدات لا تزال عقودها منظورة أمام القضاء! في واحدة من أسوأ أشكال تشويه الصورة الذهنية للشركة أمام المستثمرين قبل طرحها في البورصة يقول المصدر.
عن هذا الإجراء يقول المستشار صبري حسن: "قيام شركة حكومية عريقة بطرح وحدات في مزاد علني وهي تدرك أنها محل نزاع متداول، يعد خطأً جسيماً يندرج تحت طائلة المادة ٣٣٦ من قانون العقوبات (استعمال طرق احتيالية لإيهام المشترين بملكية خالية من الحقوق).
وإذا قضت المحكمة غداً بأحقية الملاك القدامى، ستدخل الشركة في دوامة تعويضات مدنية ضخمة، مما يهدد السمعة التجارية للصرح العقاري العريق.
ثالثاً: المستند الأزرق.. استدعاء رئاسي طارئ إلى قصر الاتحادية
تكشف وثيقة حصرية (خطاب رسمي صادر عن مكتب مستشار رئيس الجمهورية للتخطيط العمراني، اللواء أ.ح / أمير سيد أحمد، مؤرخ في ٢٢ ديسمبر ٢٠٢٥)، والموجه مباشرة إلى وزير قطاع الأعمال العام السابق، عن نفاد الصبر من تخبط الإدارة الحالية.
الخطاب الرئاسي حمل صيغة استدعاء عاجل لاجتماع بمقر رئاسة الجمهورية (قصر الاتحادية) يوم السبت ٢٧ ديسمبر ٢٠٢٥، بحضور ممثلين لجهات سيادية، ورئيس الشركة القابضة للتشييد والبناء، ورئيس مجلس إدارة شركة النصر ورئيسها التنفيذي، لتوجيه لوم شديد وفحص ملفات معلقة عجزت إدارة النصر عن حسمها، وهي:
1. المواقع المقترحة البديلة لإنشاء نقطة شرطة المقطم على محور عبد المجيد محمود (بسبب عدم تواجد الشركة في الموقع).
2. مبررات تأخير تنفيذ مشروع "أعالي" (مشروع أرض الهضبة العليا بالمقطم)، وهو التأخير الناجم عن العجز الفني والمالي للإدارة.
3. موقف الالتماس المقدم من شركة "سكوب مصر للتطوير" بشأن مشروع تطوير كورنيش المقطم المتوقف حالياً.
رابعاً: جبال الديون وعجز "المليار جنيه" لعمارات أكتوبر
الأزمة الفنية والإدارية امتدت لتضرب مشروعات الشركة بمدينتي 6 أكتوبر وحدائق أكتوبر (كمبوند كالما). حيث سلمت الشركة وحدات وعمارات سكنية تبيّن بعد فحص لجان هندسية مستقلة وجود عيوب إنشائية وجسيمة في أساساتها وهياكلها الخرسانية ونظم الصرف.
وقدرت التقارير الفنية كلفة أعمال الإحلال وحقن الخرسانات لمعالجة هذه العيوب وإنقاذ أرواح السكان بنحو مليار جنيه مصري؛ وهو ما تقف أمامه الإدارة الحالية عاجزة تماماً بسبب خلو محفظتها من السيولة النقدية، تزامناً مع مطالبات مالية أخرى بقيمة ٢٠٠ مليون جنيه مقابل التحسين للمنفعة العامة لـ (٥) قطع أراضٍ بالمقطم، والتي رُهن إصدار تراخيص البناء الجديدة بسدادها.
سؤال مشروع إلى رئيس الشركة القابضة
أمام هذه الانحرافات الكارثية، يتوجه الخبراء والمراقبون بسؤال مباشر إلى رئيس الشركة القابضة للتشييد والبناء:
كيف يستمر الصمت على إدارة وضعت الشركة القابضة في مأزق قانوني، وتجاهلت التوجيهات السيادية والتسويات، وتسببت في فشل مالي وتسويقي ذريع لأصول الدولة، في وقت تستعد فيه الشركة لطرح أسهمها في البورصة؟
ألا يمثل هذا السلوك خطراً مباشراً على أموال المساهمين وهيبة الشركات الحكومية؟
إن إفلاس وهدم هذا الصرح العقاري لا يحدث لظروف اقتصادية، بل نتيجة مباشرة لقرار تعيين قيادات من قطاع البترول لتدير شركة إسكان وتطوير عقاري؛ وهو ما يتطلب محاسبة عاجلة لوزير قطاع الأعمال العام السابق الذي تسبب في هذا المأزق، والتدخل الفوري من الأجهزة الرقابية والنيابة العامة لحماية حقوق المواطنين وأموال الدولة.