09 صفر 1448 الموافق الخميس 23 يوليو 2026

القصة الكاملة لـ3 ملايين جنيه.. كيف وصلت الأموال إلى جمعية الكلاب الضالة بالشيخ زايد؟

الكلاب الضالة
الكلاب الضالة

لم تعد قضية انتشار الكلاب الضالة في مدينة الشيخ زايد مجرد أزمة بيئية تؤرق السكان أو مادة لشكاوى يومية على مجموعات "واتساب"، بل تحولت خلف الكواليس إلى ملف مثقل بشبهات الفساد المالي والإداري، تتشابك في هذا الملف خيوط القرارات الرسمية الموثقة، والعلاقات الشخصية النافذة، لتكشف عن ملايين من المال العام صُرفت دون أن يلمس المواطن أي تغيير حقيقي في الشارع.

الشرارة التي فجّرت الغضب

بدأت تفاصيل القضية عندما نشر جهاز مدينة الشيخ زايد منشوراً على صفحته الرسمية، أعلن فيه عما وصفه بـ"الإنجاز" في حملته البيطرية، متباهياً بتعقيم وتطعيم 12 كلباً فقط في الحي الثالث، ضمن جولات أسبوعية لا تتجاوز يومين.

هذا الرقم المحدود فجّر موجة عارمة من السخرية والغضب بين السكان. ففي مدينة تمتد على عشرات الأحياء والمجاورات، وتواجه شوارعها خطراً متزايداً من مئات الكلاب التي وصلت إلى حد التوحش وافتراس الحيوانات الأليفة وبث الرعب في نفوس الأطفال، بدا الرقم مستفزاً للجميع. 

وتوالت التساؤلات المشروعة: إذا كانت هذه هي وتيرة العمل الرسمية، فكم عقداً من الزمن تحتاجه المدينة لتأمين شوارعها؟ هذا السؤال كان الخيط الأول الذي قاد إلى تتبع الميزانيات المرصودة لهذا الملف.

 

من ستة آلاف إلى ثلاثة ملايين: القفزة الغامضة

حين تتبع مسار التمويل، ظهرت معطيات مالية تثير الكثير من الريبة؛ إذ كانت "جمعية أسما" – وهي الجمعية الأهلية المسؤولة عن إدارة عمليات السيطرة والتعقيم بالمدينة – تتلقى تمويلاً شهرياً لا يتجاوز 6 آلاف جنيه مصري، ولكن، وفجأة ودون استناد إلى أي تقارير كفاءة معلنة أو مبررات ميدانية واضحة، صدر قرار رسمي بضخ ثلاثة ملايين جنيه دفعة واحدة في حساب هذه الجمعية.. هذه القفزة المالية الضخمة والمفاجئة وضعت علامات استفهام كبرى حول آليات إدارة الميزانيات داخل أروقة المدينة.

شبهة تضارب المصالح.. الصداقة في المكان الخطأ

لم تقف القضية عند حدود المبالغ المالية غير المبررة، بل كشفت شهادات مسربة من داخل دوائر صنع القرار بالمدينة أن قرار تخصيص هذه الملايين لم يمر عبر مناقصة علنية أو تقييم فني مستقل. وأفادت الشهادات بأن القرار جاء نتاج ضغوط مباشرة مارستها شخصية نافذة تدعى "سحر"، لتسهيل تمرير المبلغ لصالح رئيسة الجمعية، والتي تبين أنها صديقة مقربة لها.

 ويرى مراقبون أن هذه الواقعة تمثل نموذجاً صارخاً لتضارب المصالح وتحويل أموال مخصصة لحماية صحة المواطنين إلى "مجاملات مالية" على حساب الخزينة العامة.

 

احتكار بـ"غطاء رسمي"

اللافت في المشهد أن عملية التخصيص حظيت بغطاء قانوني كامل؛ حيث صدر القرار رسمياً عن مجلس أمناء مدينة الشيخ زايد، بل وقام جهاز المدينة بنشره والتباهي به، مما يضع الجهتين في مواجهة مباشرة مع المساءلة القانونية. 

ولضمان إغلاق الدائرة تماماً، نص القرار ذاته على حظر تدخل أي جهة أو جمعية أخرى في هذا الملف، مما فرض حالة من الاحتكار المطلق، وقطع الطريق أمام أي مبادرات مجتمعية أو جمعيات أخرى كانت قادرة على تقديم حلول بديلة وأقل كلفة.

شوارع تئن والملايين تبخرت

على أرض الواقع، يرى سكان الشيخ زايد أن النتيجة صفر؛ فالكلاب لا تزال تملأ الشوارع، والأطفال يخشون التحرك ليلاً، في حين لا تزال الحملات الرسمية تكرر وتيرتها البطيئة. 

وأمام هذا الإخفاق، يطالب الأهالي ببدائل حقيقية تشمل إنشاء مأوى حكومي أو أهلي خاضع لرقابة صارمة لنقل الكلاب خارج النطاق السكني، وكسر الاحتكار لإشراك جهات متعددة قادرة على الإنجاز.

تضع هذه المعطيات والمستندات والشهادات المسربة ملف مدينة الشيخ زايد مباشرة أمام هيئة الرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات، للمطالبة بفتح تحقيق عاجل يطال مجلس الأمناء، والمدعوة "سحر"، ورئيسة الجمعية المستفيدة، لفك شفرة الملايين الثلاثة التي تبخرت وظلت الشوارع تئن بعدها.