من يحاسب من؟ مستثمر مخالف يكرّم رئيس جهاز داخل مقر حكومي
لم يكن الأمر مجرد حفل عابر، ولا دعوة اجتماعية بريئة، ما كشفت عنه مصادر "الإسكان 24" يمس جوهر منظومة الحوكمة في المدن الجديدة، ويطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة بين بعض المسؤولين التنفيذيين وكبار المستثمرين المتهمين بانتهاك القانون.
فخلف الأبواب الرسمية لجهاز مدينة بدر، كانت التحضيرات تجري على قدم وساق لإقامة احتفالية تكريمية يُكرَّم فيها رئيس الجهاز المهندس السيد أمين، لا من قِبَل جهة رقابية أو هيئة مهنية، بل على يد صاحب "صاحب أحد المولات" — المستثمر الذي تطاله ملفات مخالفات موثقة تراكمت على مدى ست سنوات متواصلة دون أن تلقى رادعاً حقيقياً.
الواقعة بتفاصيلها: من المكرِّم ومن المكرَّم؟
تشير المعلومات التي حصل عليها "الإسكان 24" إلى أن الحفل كان مقرراً يوم السبت، داخل الحرم الحكومي لجهاز مدينة بدر، بحضور لافت يضم سماسرة عقاريين، ومنتفعين من الفلك ذاته، فضلاً عن أصحاب مشروعات صدرت بحقها قرارات إزالة رسمية لم تُنفَّذ بعد.
المفارقة الصارخة هنا مزدوجة الدلالة: فالمكان الذي يُفترض أن يكون حصناً لتطبيق القانون ومحاسبة المخالفين، تحوّل — وفق ما رصدته مصادرنا — إلى قاعة احتفاء بمن يُفترض أن يكونوا في مواجهة قرارات الهدم والإزالة لا في صدارة قوائم المكرَّمين.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن الجهة المنظِّمة للحفل ليست جمعية مهنية أو هيئة مستقلة، بل هي ذاتها الطرف المتهم بسنوات من التجاوزات الموثقة التي سنستعرضها بالتفصيل.
ملف المخالفات: ست سنوات والعداد لا يتوقف
انفرد "الإسكان 24" بالاطلاع على ملف مفصّل يرصد طبيعة ونطاق المخالفات المنسوبة إلى مستثمر، ويمكن إجمالها في ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً: احتكار الأراضي والتسقيع غير المشروع
وضع المستثمر يده على حزمة من الأراضي ذات الموقع الاستراتيجي داخل مدينة بدر عبر ما يُعرف بنظام "التسقيع"، أي شراء الأراضي بهدف الاحتفاظ بها دون تطوير حقيقي، بما يُعطّل منظومة التنمية ويرفع الأسعار اصطناعياً على حساب المستثمر الجاد والمواطن العادي.
والأخطر أن هذه الأراضي تجاوزت مدتها القانونية للبناء منذ سنوات، دون أن يُقدِم جهاز المدينة على اتخاذ أي إجراء رادع يُفضي إلى سحبها أو إعادة طرحها.
ثانياً: تجاوز النسب البنائية المعتمدة
تكشف الوثائق أن مشروع "المول " شهد تعديلات إنشائية جوهرية خارج نطاق الرخص الرسمية الممنوحة، إذ تجاوز المبنى النسب البنائية المعتمدة، وخرج على النسق المعماري المقرر للمنطقة، في انتهاك صريح لأبسط اشتراطات البناء التي تحكم منظومة المدن الجديدة.
وما يثير الاستغراب أن هذه التجاوزات ليست خافية على العين المجردة، إذ تظهر للزائر قبل أن تظهر في التقارير الرقابية — وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت تلك التقارير تُكتب أصلاً لتوثيق المخالفات أم لطيّها.
ثالثاً: ست سنوات من التحدي الصريح للقانون
المعيار الزمني وحده كافٍ لإدانة المشهد بأكمله. فقواعد هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة تحدد بوضوح مهلة أقصاها ثلاث سنوات لاستكمال تنفيذ المولات التجارية. غير أن "المول " يُسجّل في ملفاته ستَّ سنوات من التلكؤ والمراوغة، أي ضعف المهلة القانونية المقررة، حيث كان من المقرر الانتهاء من المول في نهاية عام 2022 ولم يتم حتي الآن إلا وضع الخراسانات فقط منذ عدة أشهر في تحدٍّ لا يمكن تفسيره إلا بأحد أمرين: إما انهيار منظومة الرقابة، وإما وجود تغطية متعمدة.
الحضور اللافت: من دُعي إلى هذا الحفل؟
لا يقل الحضور المرتقب للاحتفالية خطورةً عن حادثة التكريم ذاتها. فقوائم المدعوين — وفق ما رصده "الإسكان 24" — تضم:
- شبكات السماسرة العقاريين المرتبطين بعمليات التسقيع والمضاربة في أراضي المدينة.
- أصحاب المشروعات المحكوم عليها بالإزالة، في إشارة واضحة إلى أن الحفل لم يكن لوناً اجتماعياً، بل كان رسالة موجَّهة بعناية إلى من يعنيهم الأمر.
- منتفعون من بيئة الفساد المحيطة بملفات التراخيص والرقابة الهندسية.
هذا التشكيل بالغ الدلالة. فالمحتفَل به لا يختار جمهوره عشوائياً، والمستضيف لا يفتح بابه لكل أحد. ما جرى التخطيط له كان، في حقيقته، اجتماعاً لـ"أصحاب المصلحة المشتركة" في استمرار الوضع الراهن.
الصورة الأكبر: ماذا يعني هذا في سياق سياسة الوزارة؟
لا يمكن قراءة هذه الواقعة بمعزل عن السياق السياسي والمؤسسي الذي تجري فيه. فوزارة الإسكان تخوض منذ أشهر حملة تطهير موسعة في المدن الجديدة، تقودها الوزيرة المهندسة راندة المنشاوي بخطاب حازم يضع محاربة الفساد والتراخي على رأس أولويات المرحلة.
وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار ما جرى التخطيط له في مدينة بدر مجرد "زلة" فردية معزولة. بل هو — إن صحت المعطيات — مؤشر على أن بعض الأجهزة المحلية لا تزال تعمل وفق منطق مغاير تماماً للتوجهات الرسمية المُعلنة، منطق يضع شبكة العلاقات الخاصة فوق حساسية المنصب وحرمة المقر الحكومي.
أسئلة تنتظر إجابات رسمية
يضع "الإسكان 24" أمام المسؤولين جملة من التساؤلات التي لا تقبل الالتفاف:
أولاً: كيف استمرت مخالفات "المول" ستَّ سنوات كاملة دون أن يصدر بحق صاحبها قرار سحب أو إلزام قانوني فعلي؟
ثانياً: من أذن بإقامة هذا الحفل داخل المقر الحكومي لجهاز المدينة؟ وهل اطّلع المسؤولون الأعلى في الهيئة على طبيعة المدعوين وهوية المستضيف؟
ثالثاً: أي رسالة تبعثها هذه الواقعة إلى المستثمر الملتزم الذي يدفع رسومه في مواعيدها، ويلتزم بنسبه البنائية، ويستكمل مشروعه في الموعد القانوني — حين يرى المخالف يُكرَّم ويُحتفى به داخل المبنى الحكومي ذاته الذي يُفترض أنه يحمي حقوقه؟
رابعاً: هل أصبحت تقارير الرقابة الهندسية وثيقة للحفظ لا للمحاسبة؟ وهل بات التفتيش الميداني إجراءً شكلياً يُنجَز على الورق ولا أثر له على أرض الواقع؟
كرة في ملعب القيادة
ما رصده "الإسكان 24" ليس مجرد فضيحة محلية في مدينة بدر. إنه اختبار حقيقي لمصداقية منظومة الإصلاح الإداري التي تتبناها وزارة الإسكان خطاباً وتسعى إلى ترجمتها ميدانياً.
المطلوب اليوم ليس بياناً أو توضيحاً، بل حسماً فورياً وتحقيقاً موسعاً تشرف عليه الأجهزة الرقابية المستقلة، يطال ملفات التراخيص، وسجلات الرقابة الهندسية، وطبيعة العلاقة التي جعلت من مقر حكومي قاعةَ احتفاء بمن يُفترض أن يكون في مواجهة القانون لا في رعايته.. الشارع العقاري ينتظر. والملف مفتوح.
- مدينة بدر
- جهاز مدينة بدر
- السيد أمين
- مول اركان
- مخالفات مول أركان
- وزارة الاسكان
- راندة المنشاوي
- هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة
- مخالفات البناء
- قرارات الإزالة
- الرقابة الهندسية
- تسقيع الأراضي
- احتكار الأراضي
- المستثمرين المخالفين
- الفساد الإداري
- الحوكمة
- المدن الجديدة
- التراخيص
- المشروعات العقارية
- الاستثمار العقاري
- مخالفات عمرانية
- إزالة المخالفات
- الشارع العقاري
- ملفات الفساد
- جهاز بدر
- أخبار الإسكان
- الاسكان 24